محمد بن علي الغرناطي ( ابن الأزرق )
284
بدائع السلك في طبائع الملك
بيان الأول : باعتبارين : أحدهما : رخص الضروري وغلاء الحاجي « 41 » . الاعتبار الأول : وهو ان توفر الدواعي على السعي في اتخاذ الحبوب ، التي هي من ضرورات القوت . توجب كثرة وجودها في ذلك المصر ، بكثرة ما يفضل منها عن كل متخذ لها عن نفسه أو عياله ، وإذا كثرت ، رخص سعرها في الغالب ، الا ان تصيبها آفة سماوية . ولولا احتكارها ، لما يتوقع من ذلك لبذلت دون ثمن لكثرتها بكثرة العمران « 42 » . الاعتبار الثاني : وهو أن عدم عموم البلوى بما هو حاجي يقضي بقلة وجوده ، وإذا قل مع شدة الطلب عليه من قبل المترفين ، غلت أسعاره لا محالة كالأدم والفواكه . فان استكثار عوائد الترف منها ، مع قلتها بانصراف همة الكثير لاتخاذ ما هو أهم منها ، موجب لغلاء سعرها ، كما هو مشاهد . وتلحق به الصنائع والاعمال لكثرة المترفعين وكثرة حاجاتهم إلى امتهان غيرهم ، إلى استعمال الصناع في مهنهم . فيبذلون لأهل الاعمال أكثر من قيمتها منافسة في الاستئثار بها ، فتعتز لفعلة والصناع وتغلو أعمالهم ، وتكثر نفقات أهل المصر في ذلك « 43 » . البيان الثاني : أن المصر الصغير تقل أقواته لقلة العمل فيه . ويتوقع عدمها لذلك فيمسك ما يحصل منها ، ويحتكر ، ويعز وجوده ، ويغلو ثمنه على طالبه ، ولا كذلك مرافقه من الأشياء التي لا تدعو إليها الحاجة ، لقلة الساكن وضعف الحال ، فتختص برخص سعرها لا محالة « 44 » . تنبيه : قد يدخل في قيمة الأقوات ، أمران موجبان لغلاء سعرها في الأمصار :
--> ( 41 ) زيادة من المقدمة . ( 42 ) استند على مقدمة ، ج 3 ، ص 997 - 998 . ( 43 ) استند على مقدمة ، ج 3 ، ص 998 . ( 44 ) استند على مقدمة ، ج 3 ، ص 999 .